أبو نصر الفارابي

27

كتاب الحروف

( 1 ) أهمّيّة الكتاب وموضوعه كتاب « الحروف » الذي ينشر نصّه لأوّل مرّة من أكبر مصنّفات أبي نصر الفارابيّ وأعظمها غناء للمهتمّين بدراسة الفكر العربيّ عامّة والفلسفة الإسلاميّة وفقه اللغة العربيّة خاصّة . كتبه إمام المنطقيّين في عصر بلغ فيه الفكر العربيّ أوجه في تفهّم أمور العلم واللغة ، وضرورة التعبير الصحيح عن ما ينظر الإنسان فيه ويعقله . فلا يستغني عن قراءته من يشتغل في تأريخ الفلسفة واللغة ، ويجب أن يمعن النظر فيه من يقصد فهم الصلة بين نموّ العلوم واللغة التي بها يعبّر عن العلوم والمجتمع الذي تنمو فيه . وأهمّ ما يجده الناظر في الكتاب اليوم هي الشروح الوافية لمعاني المصطلح العلميّ الفلسفيّ في العربيّة ولغات أخرى غير العربيّة ، والتعريف بما عمله المترجمون عند نقلهم هذا المصطلح من اليونانيّة والسريانيّة ، وتفسير المعاني العامّيّة وصلتها بالمعاني العلميّة ، ثمّ البحث في أصل اللغة واكتمالها وعلاقتها بالفلسفة والملّة . وهذه أمور لم نكن نعرف قبل العثور على أصل كتاب « الحروف » أنّ الفلاسفة الذين كتبوا بالعربيّة قد استقصوا البحث فيها . ومع ذلك فموضوع الكتاب ليس اللغة والمصطلح العلميّ فحسب . فالكتاب كما سنبيّن فيما يأتي ( ص 30 وما بعدها ) تفسير لكتاب « ما بعد الطبيعة » لأرسطوطاليس . وهو أوّل كتاب شامل ينشر للفارابيّ في علم ما بعد الطبيعة ، وما نشر له من قبل في هذا العلم مختصرات موجزة لا يفصّل الفارابيّ فيها القول في الموجود وأعراضه كما يفعل في هذا الكتاب . وهو أقدم شرح واف بالعربيّة لأغراض كتاب « ما بعد الطبيعة » يعثر على أصله . ولا شكّ في أنّه كان مصدرا استقى منه شرّاح كتاب « ما بعد الطبيعة » الذين أتوا بعد الفارابيّ ، مثل ابن سينا وابن رشد ، الكثير من آرائهم في العلم الإلهيّ .